الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

292

مختصر الامثل

وفي آخر آية تفتح طريق العودة أمام هؤلاء الأفراد ، وتدعوهم للتوبة ، لأنّ هدف القرآن هو الإصلاح والتربية ، ومن أهم الطرق لذلك هو فتح باب العودة للمذنبين والملوثين كيما تتاح لهم الفرصة لجبران ما فرط منهم ، فتقول : « إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . يستفاد من هذه الآية أنّ الذنب عبارة عن نقص في الإيمان ، وأنّه بعد التوبة يقوم الشخص التائب بتجديد الإيمان ليتطهر من هذا النقص . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 91 ) كان الكلام في الآيات السابقة يدور حول الذين يندمون حقّاً على انحرافهم عن طريق الحق فيتوبون توبة صادقة ، في هذه الآية يدور الكلام على الذين لن تُقبل توبتهم ، وهم الذين آمنوا أوّلًا ، ثم إرتدّوا وكفروا ، وأصرّوا على كفرهم . إنّ اللَّه لن يقبل توبة هؤلاء ، لأنّهم لن يتخذوا باختيارهم خطوة في سبيل اللَّه ، بل هم مجبرون على إظهار الندم والتوبة بعد رؤيتهم انتصار المسلمين ، لذلك فتوبتهم ظاهرية ولن تُقبل . وفي الآية الثانية يقول تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ » . تخصّ الآية أولئك الذين يقضون أعمارهم كافرين في هذه الدنيا ، ثم يموتون وهم على تلك الحال ، يقول القرآن ، بعد أن اتّضح لهؤلاء طريق الحقّ ، يسيرون في طريق الطغيان والعصيان ، وهم ليسوا مسلمين ، ولن يُقبل منهم كل ما ينفقونه ، وليس أمامهم أيّ طريق للخلاص ، حتى وإن أنفقوا ملء الأرض ذهباً في سبيل اللَّه . من الواضح أنّ القصد من القول بإنفاق هذا القدر الكبير من الذهب إنّما هو إشارة إلى بطلان إنفاقهم مهما كثر ، لأنّه مقرون بتلوّث القلب والروح بالعداء للَّه ، وإلّا فمن الواضح أنّ ملء الأرض ذهباً يوم القيامة لا يختلف عن ملئها تراباً ، إنّما قصد الآية هو الكناية عن أهمية الموضوع .